ابن الأثير

428

الكامل في التاريخ

وقد سيّر عساكره [ 1 ] إلى مصر ، فأرسل يستدعيها ، فلو عاجلوه [ 2 ] لبلغوا غرضهم منه ، لكنّهم تريّثوا وتأخّروا عنه ، فجاءته عساكره ، فسار من دمشق إلى ناحية حلب ليلقى سيف الدين ، فالتقى العسكران بتلّ السلطان ، وكان سيف الدين قد سبقه ، فلمّا وصل صلاح [ الدين ] كان وصوله العصر ، وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا ، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة ، فأشار على سيف الدين جماعة بقتالهم وهم على هذا الحال ، فقال زلفندار : ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجيّ في هذه الساعة ، غدا بكرة نأخذهم كلّهم ، فترك القتال إلى الغد . فلمّا أصبحوا اصطفّوا للقتال ، فجعل زلفندار ، وهو المدبّر للعسكر السيفيّ ، أعلامهم في وهدة من الأرض ، لا يراها إلّا من هو بالقرب منها ، فلمّا لم يرها النّاس ظنّوا أنّ السلطان قد انهزم ، فلم يثبتوا وانهزموا ، ولم يلو أخ على أخيه ، ولم يقتل بين الفريقين مع كثرتهم غير رجل واحد ، ووصل سيف الدين إلى حلب ، وترك بها أخاه عزّ الدين مسعودا في جمع من العسكر ، ولم يقم هو ، وعبر الفرات ، وسار إلى الموصل ، وهو لا يصدّق أنّه ينجو . وظنّ أنّ صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل ، فاستشار وزيره جلال الدين ومجاهد الدين قايماز ، في مفارقة الموصل والاعتصام بقلعة عقر الحميديّة ، فقال له مجاهد الدين : أرأيت إن ملكت الموصل عليك ، أتقدر أن تمتنع ببعض أبراج الفصيل ؟ فقال : لا . فقال : برج في الفصيل خير من العقر ، وما زال الملوك ينهزمون ويعاودون الحرب ، واتّفق هو والوزير على شدّ أزره ، وتقوية قلبه ، فثبت ثمّ أعرض عن زلفندار وعزله واستعمل مكانه على إمارة الجيوش مجاهد الدين قايماز ، على ما نذكره إن شاء اللَّه .

--> [ 1 ] عساكر . [ 2 ] عالجوه .